هشام جعيط

370

نشأة المدينة العربية الإسلامية " الكوفة "

بقليل وتم تأسيس الكوفة بعد ثلاث سنوات . وقد تم هذا التأسيس وفق تخطيط وضع خصيصا ، ورمى إلى إسكان القبائل المقاتلة ، أو أجزاء من هذه القبائل ، على التخوم بين الجزيرة والإقليم المحتلّ ، ومنحها خططا داخل المدينة / المخيم ( المصر ) وتوفير حياة جماعية لها ، وفصلها في الوقت نفسه عن الوسط المحيط بها . كانت فكرة الخليفة عمر أن ينشئ تراتبية هرمية مبنية بحسب الشرف الإسلامي ، أي تبعا لأسبقية الدخول في الإسلام وفي الجهاد ، ولكن حتى أثناء خلافة عمر ، كان المبدأ القبلي يؤخذ في الحسبان في تأليف الجيش وتنظيم الفضاء وتجميع الناس . وكانت الأسبقية تعتمد في التمييز بين الأشخاص ، لكنها لم تكن على الإطلاق أساسا في التنظيم الاجتماعي . وتبعا لذلك ، تمّ إسكان العرب في الكوفة وفقا لنظام الخطط القبلية ، وعلاوة على ذلك ، لا يمكن أن نتبيّن ، لدى تفحّص خريطة التوزيع الأول للخطط في عهد عمر ، أي تقسيم للمكان بناء على مبدأ غير قبلي « 1 » . نجد في تاريخ الطبري ، وهو المرجع الأكثر صدقية بين المراجع التي بين أيدينا « 2 » ، أن خطط اليمنيين تحاذي خطط مضر وربيعة . فإلى الشمال من المسجد ، نلاحظ خطط همدان وبجيلة إلى جانب خطط سليم وثقيف ، وإلى الجنوب خطط النخع وكندة والأزد إلى جانب قبيلة أسد الكبيرة ، في حين أن تميم تحاذي الأنصار ، لناحية الشرق « 3 » . ولم تحدث طيلة العصر الأول من تاريخ الكوفة وحتى عهد زياد ( 50 ه / 670 م ) أية تغييرات مهمة في مواضع القبائل الكبرى ؛ وكل ما تذكره المصادر يفيد بأن العشائر التي لم يكن لها وزن في الكوفة استطاعت تغيير مواضع سكناها ، لتنتقل إلى جوار إخوان لها قدموا في هجرات لاحقة . كذلك فإن عددا كبيرا من الجماعات المتحدرة من بعض العشائر اجتذبتها عشائر أخرى مختلفة ، تشدّها إليها أواصر قربى معينة أو تمتلك نفوذا بارزا . على أن منازل

--> ( 1 ) هذا خلافا لما ينقله إلينا حديث للشعبي ( البلاذري ، فتوح البلدان ، طبعة القاهرة ، ص 275 ) : منذ البداية ، شاءت المصادفة أن تكون الحصة الأفضل ، إلى الشرق ، لأبناء قحطان ( 12000 ) في حين أن الغرب كان من حصة نزار ( مضر وربيعة وعددهم 8000 ) . هذه الثنائية لم تكن موجودة في البداية ، كما أنه لم توجد بتاتا ، حتى في زمن الشعبي ( 60 - 80 ه ) . لكن التوزيع الأصلي جرى عليه تعديل عبر الزمن ، فتميم انتقلت إلى عرب المدينة ، في القرن الأول ، ثم تبعتها بجيلة في ما بعد ، وربما أسد أيضا . ( 2 ) تاريخ ، 4 ، ص 45 وما بعدها . ( 3 ) الطبري ، 4 ، 48 .